في ظلال الحج الأكبر وعيد الأضحى

كتاب لها
09 - ذو الحجة - 1442 هـ| 19 - يوليو - 2021


1

في هذه المقالة لا أتحدث عن مناسك الحج ولا العيد – على الرغم من أهميتهما – فهي مبسوطة في كتب الفقه والسنة؛ ولكني أود التركيز على بعض الجوانب الإنسانية، وقيم البشر فيهما. فهذه المناسك ينبغي ألا ننظر إليها  في ضوء الصور الحسية التي يمارسها المسلمون في المناسك والمشاعر، وهي رائعة بلا ريب، ولكن الشارع أراد منها ما هو أكبر من هذه الصور التي هي رموز لقيم ومبادئ ومشاعر لا تتحقق إلا بهذا الدين؛ فهي تعبير عن حب هذا الدين للنظام والدقة في التوقيت، وتلبية النداء الإلهي بلا تردد إذا حصلت الاستطاعة والقدرة؛ وكذلك حب التضحية، والشعور بقيمة الأخوة الإنسانية والدينية التي لا تقف أمامها الألوان، والأحجام، والأعراق، والجاهات والأموال.

     إن تلك الحناجر تردد هتافا واحدا ( لبيك اللهم لبيك .....) وتتجه إلى رب واحد، ومكان واحد في زمن مخصوص، وفي لباس موحد ما أروع هذا المشهد المهيب!

     وفي خطبة وادي عرفات، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته القصواء أمام حشد هائل من أصحابه وهو كبير بمقياس ذلك العصر بعد الزوال - أعلن حربا لا هوادة فيها  على قيم الجاهلية، وتفاخرها بالأنساب والأحساب. ثم ألغى دماء الجاهلية – وبدأ بعشيرته! ثم عقب على هذا بحرمة الربا – وبدأ بعمه العباس – والأخذ بالثأر، خاطب الناس في هذه الخطبة وذكرهم بأنهم بنو أب واحد، ومن أصل واحد، وخالقهم فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فلا فرق بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض ولا أسود إلا بتقوى الله تعالى.

     إن قضية المرأة قديما وحديثا  تؤرق بال المصلحين، ولكنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه ابن عبد الله في خطبة حجة الوداع - أخذت مكانة عظيمة في توجيهات الحبيب صلى الله عليه وسلم فأول ما ذكر به هو إثارة القلوب لتحيا في حب الله والخوف منه حيث أمر بتقوى الله فيهن والإحسان إليهن، ومعاملتهن بالمعروف، ووضح ما لهن من حقوق، وما عليهن من واجبات بلا ظلم ولا حيف، وهذه المبادئ لم تصل إلى بعضها البشرية إلا في أزمنة متأخرة، وهي دون المستوى المرجو.

     وفي هذا اليوم بين للمسلمين الدواء الذي ما إن تركوه حتى يسقطوا في كل شيء(وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله عز وجل... ) رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه.

     إننا – ونحن نؤدي مناسك الحج والأضحى - لا نعبد أحجارا ولا أشخاصا ولا طقوسا، وما تلك الصور الحسية إلا رموز لما وراءها من قيم، فإن كانت أو لم تكن؛ فلا يضيرنا هذا – وإن كنا نحرص على وجودها -  ألم يقل عمر – رضي الله عنه – عن الحجر الأسود: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك"متفق عليه.  إن تلك الصور رمز لتواصل كوكبة الأنبياء والمرسلين، ودلالة على أن مرجعيتهم واحدة من لدن آدم إلى إبراهيم، وحتى محمد  صلوات ربي وسلامه عليهم جميعا، فنحن نعبد ربا لا يموت ولا يقدر عليه أحد.

 

     إن كثيرا من القيم التي أرساها رسولنا الكريم في الحج أصبحت من حقوق البشر في ديننا – حق الاعتقاد، وحفظ الدم، والعرض، والمال، والعقل، وهي قيم يسميها المعاصرون قيما مدنية، توصلت إليها البشرية بعد صراعات سفكت فيها دماء، وأزهقت أرواح، ولم تطبق بشكل كامل وعادل على كل البشر، وأما نحن فقد طبقناها على الناس جميعا.

     هذا هو الحج وهذه مدرسته في الإسلام: قيم ومبادئ وأخلاق وسلوك وعبادات وشعائر وشرائع ورؤية ورسالة في الحياة قبل أن تكون أي شيء آخر. فلماذا ينقم منا فجرة العالم وظلمته على هذه الشعيرة العظيمة! ألسنا أول من بنى المجتمع الإسلامي – تحت ظل الشريعة – على مبادئ الحياة المدنية، ثم مارسناها عمليا، وكنا قدوة البشرية فيها؟.

     إن الحج والأضحى نوران كبيران - في سماء الأرض، وفي سهولها وجبالها، وبحارها ووديانها - سيعم خيرهما البرية كلها عاجلا أو آجلا. وإن وفود الحجاج من أصقاع الدنيا كلها- ليؤكد لنا أن سلطان هذا الإسلام سيبدد ظلام الأرض لتشرق عليها شمس دين الله عز وجل، والحمد لله رب العالمين.   

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...