صديقتي الحرباء

ساخر » الحرف الساخر » مقال ساخر
27 - شوال - 1435 هـ| 24 - أغسطس - 2014


1

 

‫‫تجمعنا في غرفة الطبيبات، نسحب خيط طائرة ذكريات الغربة، ووفاء الصديقات، وبدأنا ننثر أصدافا حول ‫‫كيف كان لقاؤنا الأول ‫‫بعد سنوات عديدة، مع من تقاسمنا معهم الخبز، وغمسناه معا في حلو الغربة ومرها.

‫‫فالتقطت ثاني خيط الذكريات زميلتنا. ابتهال:

‫درست في جامعة تضم الكثير ‫من جنسيات العالم، لكن الأغلبية تنتمي إلى العالم العربي.

‫وسكنت في سكن الطالبات، كان السكن يعج بالكثير من التيارات الفكرية المختلفة، والكثير من المذاهب والنحل، لكننا كفتيات جامعيات قررنا أن نتعاون معا للتعايش الهادئ بيننا، كي نمر بهذه المرحلة المؤقتة بسلام، وفعلا كان التعاون وحب مساعدة الغير طاغيا على هذا السكن، فكنا نقدم الدعم لبعضنا البعض نسند كل طالبة تصاب بضعف أو شدة.

 ‫قررت أن أنتقل من المبنى الذي أسكن فيه، وذلك لازدحامه بالطالبات المستجدات. والطالبات المستجدات لا يرغب بمجاورتهن أحد، فالنشاط الفائض، وشقاوة المرحلة الثانوية لم يتخلصن منها بعد، ومع قلة عدد الساعات التي يدرسنها، وغالبا ما تكون هي لغة انجليزية فقط، ومع اجتماعهن معا، وكأنهن يحتفلن بحلم طال انتظاره، وهو التخلص من المرحلة المدرسية، والفخر بالانضمام للمرحلة الجامعية، وتحول الحلم من الخيال إلى الحقيقة، يجعل حياتهن وحياة من حولهن صاخبة ومزعجة، فبرامجهن اليومية هي حفلة، ثم حفلة، ثم حفلة، وهذا يؤدي إلى السهر، ثم الخلافات والخصامات، ثم تدهور المستوى الدراسي، الذي تكون نهايته الطرد من الجامعة لكل من لا تتدارك حالها قبل فوات الآوان.

وفعلا هذا ما حصل لي، أنذرت لغيابي المتكرر الناتج من طول السهر، فقررت أن أنفذ بجلدي وبمستقبلي الدراسي، فلم أجد أفضل من السكن مع طالبات الطب الجادات، اللواتي على وشك التخرج، فسكنت بين مجموعة خيرة. منظمة، هادئة، ثم لاحظت أن طالبة من المجموعة ليست معنا طوال الوقت، فهي تظهر وتختفي، فزادني الفضول لمعرفة أخبارها، فراقبتها، فتبين لي أنها تظهر فقط لمشاركتنا الطعام أو لاستخدام أدواتنا، مرضت إحدانا، وتنوّمت في المستشفى، وحين خرجت، ازدحم جناحنا بالزائرات المهنئات بالسلامة، إلا لجين لم تستقطع من دراستها دقيقتين لتسأل عنها، وهي لصيقتنا في الغرفة و بالجناح نفسه، بينما حين مرضت لجين وقفنا جميعا معها، واهتممنا بها، ورعيناها حق الرعاية.

 ‫حين نعود للسكن بعد خروج منه تسرع لجين وبصفاقة عجيبة تسأل: ماذا أحضرتم عشاءً لي؟! بينما حين تخرج هي لا تكلف نفسها حتى زجاجة ماء.

‫ولاحظت أنها دائما تسكن بمفردها، رغم أن غرفتها بسريرين، وتبين لي أن أكثر مدة استطاعت طالبة تحملها هي مدة شهر، ‫فهي مصابة بداء البخل، بل البخل الشديد، ‫وكنت أظن فقرها هو سبب بخلها، فكما قال سيدنا علي لو كان الفقر رجلا لقتلته.

‫لكن تبين لي أنها أغنى طالبة في الجناح كله، فهي تستلم بدل الراتب راتبين، ووضع أسرتها المادي ممتاز، ‫لكنها كانت فقيرة نفس، وبخيلة مال، وبخيلة عاطفة!

‫كما تبين لي أنها رفضت أن تساهم معنا لشراء احتياجاتنا معا، كمنشر للغسيل ومكنسة كهربائية وسخان وغيرها، وبكل صفاقة تستخدم كل هذه الأدوات ودون أن تكلف نفسها حتى الاستئذان.

‫فتجرأت إحدى الزميلات، وطلبت منها التوقف عن استخدام أي غرض منها،  ‫فراقبتها هل ستشتري لها كل هذه الأدوات،

‫وجلست أنتظر، وأنتظر، وأنتظر، ‫لكن هيهات، كيف لبخيل أن يخلع جبة مثل ظهر السلحفاة لا يمكنه التخلص منها أبدا.

‫تعرفت على مجموعة تختلف فكريا عن مجموعتنا، وبدأت تقدح بمجموعتنا، وتصفنا بالظلمة، وأنها ساهمت معهن بنقودها، ثم تم طردها، ‫فتعاطفت هذه المجموعة معها، وسمحوا لها باستخدام أدواتهم ودون أن تدفع مليما واحدا.

‫الحق أنني قرأت بخلاء الجاحظ، لكنه لو كان حيا لضم لجين لكتابه، ‫فمثل ما أتاح لي السكن التعرف على الكرم الذي أسمعه في الكتب ولا أراه، ‫كذلك منحني السكن الفرصة لمعايشة بخلاء لو حدثوني ببخلهن لما صدقته.

‫لذا كانت هوايتي متابعتها، فتبين لي أنها تطوف جميع الملل والنحل، وتقدح في كل تيار أمام من يخالفه.

‫فكنت أرقبها تزور المتدينات، فتذكر أمامهن مفاسد بنات السكن، ثم تخرج منهن لتزور من قدحت بهن آنفا، ووصفتهن بالفاسدات، لتجالسهن وتمضي الوقت معهن، فكنت أرقب لماذا تفعل هذا؟!!

‫فكان الثمن البخس مقابل دراهم معدودة، تريد أن توفرها ولا تنفقها، مقابل وجبة طعام قد تقدم لها أو حتى فنجان قهوة، أو كوب شاي، أو تبادل مصالح.

‫عفوا !! ماذا قلت؟!!

‫تبادل!!

‫لا، لا، البخيل لا يؤمن بهذه الكلمة، ولا يعترف بكلمة مشاركة، البخيل يؤمن باتجاه واحد فقط لا ثاني له، الأخذ دون العطاء.

‫نعم لتستخدم منشرا تريق ماء وجهها، ولا تريق ريالا من محفظتها، فبئس الثمن البخس.

‫وكعهد البخلاء لا وفاء لهم.

‫التقيتها في مؤتمر عربي، تقدم محاضرة، وحين قرأت نبذة عن دراستها في كتيب المؤتمر، هالني أنها تعمدت عدم ذكر جامعتنا العربية العريقة التي قامت بتدريسها مجانا لمدة ست سنوات، وذكرت جامعتها السويدية التي تخصصت بها لمدة سنتين، ولم تكن بالطبع الدراسة بها مجانية، لكنها كانت مقابل مبالغ طائلة من الأموال.

‫خارج قاعة المؤتمرات كنا مجموعة الطبيبات اللاتي تخرجنا من هذه الجامعة، نقبل على بعضهن بعضنا، ونتناوب على السلام الحار بالأحضان، مرت بجانبنا، رمقتنا بطرف عين، وبنظرة كلها احتقار، ثم مضت.

‫بودي لو استوقفتها، لأخبرها لم أنت متكبرة علينا؟!!، فجميعنا قد تخصصنا، وفي جامعات أمريكية وأوروبية أرقى من جامعتك، ورغم ذلك فليس هذا الأمر بمدعاة فخر، وإنما ما يحمله كل منّا من العلم والكرم، ولكن من يجرؤ أن يجادل بخيلا، بخيل المال، بخيل العاطفة؟.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...