الجنوبيون.. رغم نيلهم الحرية يتقاتلون!

كتاب لها
13 - شعبان - 1432 هـ| 15 - يوليو - 2011


1

عاني شعب جنوب السودان من حرب طويلة خاضها امتدت لأكثر من نصف قرن, بدأ الحرب القائد الجنوبي جوزيف لاقو, وتوصل لسلام مع الرئيس جعفر النميري لفترة محدودة، ومن ثم واصل المتمرد السابق جون قرنق الحرب، لتستمر حتى عقد اتفاقية السلام في مطلع عام 1905 م, و عقب عقد اتفاقية السلام "نيفاشا" توفي المتمرد قرنق في حادث طائرة مدبر من قبل أشخاص مجهولين، ولا سيما أنه كان يرمي لوحدة السودان، بينما يري الاستعمار ضرورة فصل الإقليم الشمالي عن الإقليم الجنوبي.

  

أعقب جون قرنق خليفته سلفاكير ونال مكتسبات عدة, منح منصب نائب رئيس الجمهورية وفي الوقت نفسه الحاكم العام للإقليم الجنوبي، ونالت حركته حركة الجيش الشعبي لتحرير السودان حق حكم الإقليم الجنوبي بالكامل.

منحت اتفاقية نيفاشا الإقليم الجنوبي حق تقرير المصير عبر الاستفتاء الشعبي لسكان الإقليم الجنوبي، بعد فترة انتقالية تمتد لست سنوات, ولقد أوفت حكومة الشمال بعهدها، وتم الاستفتاء ونال الجنوب استقلاله وصار دولة قائمة بذاتها.

طوال الفترة الانتقالية حكم حزب الحركة الشعبية الإقليم الجنوبي بالكامل, ونظرا للفترة الطويلة التي قضاها منسوبو الحركة الشعبية في ميادين القتال؛ فقد تلاشت لديهم الخبرة بإدارة شؤون بلدهم، مما جعلهم يتخبطون في العمل، وساد الإقليم الفوضى والفساد بجانب ديكتاتورية بغيضة في إدارة شؤون البلاد.

منع حزب الحركة الشعبية كل الأحزاب الجنوبية من حرية الحركة والتعبير عن الرأي، كما سجن وقتل الكثير من الذين وقفوا ضد إرادته, وبحسب نصوص اتفاقية نيفاشا بأن تجرى انتخابات بالإقليم الجنوبي, قدم حزب الحركة الشعبية مرشحا لانتخاب الوالي أي الحاكم لكل ولاية, وترشح بجانب مرشح الحركة مرشح آخر

كان يعتبر من أبرز قواد جيش الحركة وهو "جورج أطور".

هذا الترشيح لم يرض رجال حزب الحركة الشعبية؛ مما جعلهم يقدمون علي تزوير الانتخابات لصالح مرشحهم ليفوز بمنصب الوالي لتلك الولاية, الأمر الذي أغضب أطور مما جعله يحمل السلاح ويدخل الغابة وبالتالي تبعه رجال وحداته التي كان يشرف عليها بجانب محاربي قبيلته, وبدأ في مهاجمة قوات الحركة في القرى والمدن, وكان يهاجم بغتة ويقتل وينهب السلاح والأموال، مما أفقد قوات الحركة الكثير من المال والعتاد والرجال.

وللخبرة الطويلة التي امتاز بها القائد أطور في فنون الحرب المفاجئة  والمدمرة، وبرع في فنون الكر والفر مما أزعج حكومة الجنوب حتى طلبت منه الجلوس معها؛ لعقد مفاوضات ولكنه رفض تماما الجلوس معهم!

منحت حكومة الشمال أهل الجنوب كل ما كانوا يتمنونه، ومن أهمها الحرية، ولكنهم بعد نيلهم الحرية لجأ إليهم قواد من إقليم دارفور منهم القائد مني أركوي، الذي يحاول وجنوده بث الفوضى في أنحاء إقليم دارفور, حاولت حكومة الشمال حث حكومة الجنوب علي طرد قواد تمرد دارفور، وعدم تقديم الدعم اللوجستي لهم، ولكن حكومة الجنوب رفضت ذلك.

بعد إعلان نيل الجنوب استقلاله حاولت بعض  الأحزاب الجنوبية التحرك والتفاعل في أوساط  الجنوبيين عبر الندوات والمؤتمرات، ولكن جنود الحركة الشعبية كانوا يمنعون أي حزب أو جماعة من الإدلاء برأيهم حول ما يجري بالبلد.

 كل هذه الأساليب العدائية حركت مجموعة من الأحزاب الغاضبة، وجعلها تتجمع وتتحد في ثورة عسكرية ضد الجيش الشعبي، وأعلنوا مسماهم الجديد "جيش تحرير جنوب السودان" تحت قيادة جورج أطور، وأعلنوا رفضهم القاطع للدستور الجديد التي قامت بوضعه الحركة الشعبية، ومنعت الأحزاب الأخرى من المساهمة في وضع هذا الدستور، ووافقت مؤخرا بعد إجراءات تعديلات عليه.

ومن أبرز الرافضين لسياسة الحركة الشعبية بالجنوب الدكتور "لاما كول" وهو ناشط سياسي كبير في الحركة الشعبية، وكان وزيرا سابقا لخارجية السودان، وقد انفصل من الحركة الشعبية وأسس حزبا مناوئا لها و أعلن قائلا:"إن جنوب السودان يحكم بواسطة فئة قليلة من أفراد الحركة"، وطالب برد الحقوق لأهلها وضرورة محاسبة كل المفسدين والمتحكمين في الرأي بالحركة.

وبانضمام حزب لاما كول لمجموعة أطور في العمليات الحربية ضد الحركة الشعبية, تصبح العمليات في جنوب السودان أشد ضراوة ضد الحكومة الجديدة، وقد نالت قوات آطور دعما وسندا كبيرا من رجال حزب لاما كول, وتطورت العمليات الحربية الصغيرة لتصبح حربا كبرى وتشمل معظم مدن وقرى الإقليم الجنوبي.

وعلى الرغم من كل ما قدمته حكومة الشمال للحركة الشعبية من إيفاء بكل الوعود الخاصة باتفاقية نيفاشا، إلا أن الحركة مازالت تفكر بالقتال والحرب, واستمرار مواقفها العدائية في كل المناحي, وحتى حينما أظهر جيش أطور المتمرد نجاحات كبري في إقليم أعالي النيل؛ أعلن الأمين العام للحركة باقان أموم أن جيش الشمال يدعم رجال أتور، ويقدم لهم المساعدة والسلاح، محرضا الجنوب على الشمال مرة أخرى!! ويعتقد أن الحكومة الشمالية ليس لها صلة البتة بما يجري في الجنوب.

فهل تستطيع حكومة الجنوب تحقيق آمال الشعب الجنوبي في الحرية والتنمية والاستقرار، وتنأى عن الفكر العدائي التي تعودت عليه؟!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...