الغلام والساحر (2ـ 3)

واحة الطفولة » واحة القصص
12 - ذو الحجة - 1432 هـ| 09 - نوفمبر - 2011


1

فبينما الفتى على ذلك إذْ مرّ في طريقه على أناس وقفوا على الطريق لا يتجاوزونه خوفاً من دابّة عظيمة قطعت الطريق، وحبست الناس. فقال في نفسه: اليوم أعرف الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟. فأخذ حجراً، وقال: اللهم، إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر؛ فاقتل هذه الدابّة حتى يمضي الناس؟ فرماها، فقتلها. ومضى الناس، فأتى الراهبَ، فأخبره بما فعل.
قال له الراهب: أي بني؛ أنت اليوم أفضل مني. فإن كنتَ قد استجاب الله دعاءك فقد قبلك، وسيبتليك، ويختبر إيمانك. فإن ابتليتَ فلا تدُلّ عليّ.
وعرف الناس فضل الغلام، فصاروا يقصدونه، فيشفي الله على يديه الأكمَهَ والأبرصَ، ويداوي الناسَ من سائر الأدواء حتى انتشر صيتُه، وذاع أمرُه بين الناس. فسمع جليسٌ للملك كان قد عميَ بما يفعل الفتى، فأتاه بهدايا كثيرة، وقال له:
كلُّ ما بين يديّ من الأموال والهدايا لك، إنْ شفيتـَني.
قال الغلام: أنا لا أشفي أحداً، إنما اللهُ الشافي  فإن آمنْتَ بالله تعالى دعوتُ الله فشفاك ...

وهكذا يكون الداعيةُ إلى الله تعالى، صادقاً مخلصاً لمولاه، ينسب الخير إليه، ويدعو العباد إلى الإيمان بربهم، ويصلهم به. فآمن الرجل بالله، ودعا الغلام له بالشفاء، فشفاه الله تعالى لإيمانه به. فجاء الملكَ يجلس إليه كما كان يجلس.
فقال الملك: من ردّ عليكَ بصرَك؟ ولو كان إلهاً ما سأله هذا السؤال.
قال الجليس: إنه ربي.
قال الملك المتجبر الضالّ: أَوَلك ربّ غيري؟!.
قال الرجل بلهجة المؤمن التقيّ: ربّي وربّك الله.
ثارت ثائرة الملك، إذ كيف يتّخذ الرجلُ ربّاً سواه؟ بل كيف ينكر ألوهيّة الملك ويقرنه به عبداً لله؟!. فأخذه، فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الفتى.
فلمّا مثـُل الفتى بين يدي الملك قال له الملك متعجّباً: أيْ بنيّ قد بلغ من سحرك ما تبرئ به المرضى، وتفعل العجائب، وتقدر على مالا يقدر عليه غيرك؟!
قال الفتى بلهجة الواثق بالله، المؤمن بربه، الذي لا يخاف أحداً: إنني لا أشفي أحداً، إنما يشفي اللهُ تعالى خالق الكون ومدبرُ أمره،  الذي يعلم السرّ وأخفى، وهو على كل شيء قدير.
غضب الملك، وهدّده بالعذاب الأليم إنْ لم يرجعْ إلى ما كان عليه. إلى الضلال بعد الهدى، والظلام بعد النور، والسفاهة بعد الحكمة.. فبدأ زبانيته يعذبون الفتى، علّهم يعرفون من علّمه هذا، وجرّأه على الملك. فصبر وتحمّل، فزادوا في تعذيبه حتى انهار، فدلّ على الراهب، فجيء به، وعُذّب ليعود عن دينه، فأبى. فدعا الملك بالمنشار، فوضعه في مفرق رأسه، فشقّه حتى وقع شِقّاه.

ثمّ جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوُضع المنشار في مفرق رأسه، فشقّه به حتى وقع شِقّاه... وطارت روحاهما إلى بارئهما مؤمنتين طاهرتين.
إن المؤمن حين يلامس الإيمانُ شَغاف قلبه لا يأبهُ بالمغريات، ولا يخاف العذاب، إنما يبقى ثابتاً ثبات الجبال الرواسي، صامداً لا يعرف الهلعُ من الموت طريقاً إليه.
وأمر الملك زبانيته أن يجرّوا إليه الغلام مكبّلاً، ففعلوا. فأمره أن يعود عن دينه إلى عبادته، فأبى. فهدّده بالويل والثبور وعظائم الأمور، فازداد إيماناً بربّه وتمسّكاً بدينه.
فلم يأمر بقتله لأنه بحاجة إليه، فهو الذي يهيئه على يد الساحر ليكون الأداة التي يسحر بها قلوب الأمة، فيسلب إرادتها، وتخر له ساجدة تسبح بحمده وتقدس له. فصمّم على إرهابه وتخويفه، فقال لبعض جنوده على مسمعٍ من الفتى:
اذهبوا به إلى أعلى جبل في مملكتي، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروتَه فمروه أن يرجع إلى صوابه!، فإن أصرّ على عناده فاطرحوه في الوادي السحيق ليكون مزقاً تأكله حشرات الأرض. فذهبوا به، فصعدوا الجبل، وراودوه عن دينه، فالتجأ إلى الله تعالى أن يدفع عنه كيدهم. فكانت المفاجأة ُ العجيبة ُ.

 ونكمل قصتنا في الحلقة القادمة بعون الله تعالى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القصة مأخوذة من حديث رواه مسلم وأورده النووي في رياض الصالحين، باب النصر.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...