اتصل بي ( 1ـ 2)

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
06 - ربيع أول - 1435 هـ| 08 - يناير - 2014


1

ست ساعات وأنا صامدة فوق رجلي، لا أشعر بأي شيء من العالم حولي، مندمجة في عالمي،  لدرجة أنني  برمجت جسدي على  ذلك، حتى لقد صادرت  حقها في الألم، ومنعت نفسي العسيرة من مجرد التفكير في الشكوى، كل همي هو ذلك الدم المتدفق، فمهمتي ملاحقة تلك الدماء المتسربة، والقضاء عليها في مهدها، ويا ويلها إن تسربت، ستسمع زئير الأسد الغاضب الجراح يصرخ: شفط، فتفزع لزئيره كائنات الغابة فيتراكضون لتلبية طلبه قبل أن يثور، فمن المهم تدليله، ليس لصالحه فقط وليس لصالح المريض الممدد ـ والذي لا يعي من أمره  شيئا ـ ولكن من صالحنا نحن، ألم أعرفكم بنفسي بعد؟!!، نحن طاقم التمريض، لكي لا تتأخر العملية و تصاب بالمشاكل، فتزدحم الحالات ويتضاعف العمل  ويلغى وقت الراحة.

لكم فرحت حين نادى الملك: انتهينا سيتم إغلاق الحالة، فرح الجمع واستبشروا. وبدأ الجميع يردد من خلفه، ليسمع من بعده، لتبدأ مراسيم إنهاء الحالة، كأنها حلقة ابن  حنبل، من كبر الحلقة، يقرأ فيقرأ من خلفه ليسمع من بعده حتى  تصل  إلى آخر الحلقة، وكأنهم خلية نحل دب  فيها  نشاط غير عادي، فهذه لحظات تاريخية لا تنسى، فسوف  تتم فعاليات زفة عريس أتعبنا بوجوده بيننا لمدة ست ساعات.

الآن استدعيت الشق النفسي إلى جسدي، وسمحت له بمزاولة العمل البشري. فكانت الأسرع استجابة نفسي المرهقة. سامحك الله يا دكتور، حرام عليك ست ساعات!.

ألم أقل لكم أن جراحنا هذا أسد، يعرف ما توسوس به  نفوس الرعية:

-  شكرا لكم جميعا. أعرف أنكم متضايقون ومرهقون من طول العملية، ولكنه ليس ذنبي، الحالة استدعت ذلك، هذا هو مصدر رزقنا، لو كنتم مكان هذا المريض، لعذرتموني.

سامحك الله يا مريض! لو كنت تعيش حياة صحية، وتأكل  غذاءً  صحيا، وتمارس الرياضة، لما وصلت  إلى هنا، هذا ما تنادي به أخصائية التغذية الشابة، حديثة التوظيف، تركض في ممرات المستشفى، تدعو المراجعات لحضور حلقات التوعية التي تجريها.

تهتف بينهن:  الحياة الصحية، تغنيكم أنتم وأهلكم من معاناة المرض، ومن معاناة مواعيد المستشفيات، الحياة الصحية أحسن، أرخص، أسهل، أسرع، تنفعي مجتمعك وأهلك بصحتك، بدل أن تشقيهم بمرضك.

بصراحة أفغر فاهي إعجابا بنصائحها  الواقعية، وما  لبثت حتى مر بجانب أذني سهم خارق من فم إحدى الزميلات:

- حماس الوظيفة الجديدة، لن تلبث  حتى  تصمت. كما سبق أن  صمتت من قبلها.

فأدعو في نفسي: اللهم ثبتها وانفع بها الأمة. واحمها من الحساد يا رب، اللهم اهد الذين يعرقلون كل نشيط في هذه الأمة.

نزعت ثياب العمليات، وألقيت بها  في الصندوق المخصص  لذلك، وركضت إلي غرفة تغيير الملابس،  وهناك بدأت بشريتي تعود إلي، آه يا عظامي، آلام شديدة ليس لها أول وليس لها آخر، تزداد كموج بحر في أوج مده. أردت الجلوس  فلم  أستطع، تمددت على كنبة عتيقة، لا أدري من أين جاؤوا بها، و لا أدري كيف وجدوا لها مكانا في هذه الغابة التي تحتوي أشجارها على دواليب للتغيير، وأغصانها ملابس العمليات الخضراء النظيفة والمعلقة والمستعدة للانطلاق. وأسمع  نداءات الممرضات وهن ينادين على  العرائس القادمة إلى  غرفة العمليات، وينادين أيضا على الحالات المغادرة، يزفونها بحفاوة بمثل ما استقبلت به.

والحق يقال لقد عملت في مستشفيات كثيرة، ولكن هذا المستشفى غير، فهو ليس بجدة ولكنه غير.

المريض المسكين، الفاقد الوعي،  المغلوب على أمره، يتعاملون معه وكأنه واع  ينظر إليهم، فهم يحترمون بشريته، ويحرصون على ستر عورته، ويحاولون أن لا ينكشف ولو مقدار واحد من جسده، إلا عند الضرورة، وفي لحظتها فقط لا غير.  وإن  تحرك المريض في الإفاقة، وكشف عن جسده، سارع الجميع لتغطيته. بينما في أماكن كثيرة لا يبالون بهذا الأمر أبدا.

يا الله! لقد نسيت! طفلي به حرارة، وعاملتي المنزلية قليلة الذكاء. أرجعتها  إلى المكتب المسؤول: هذه بضاعتكم ردت إليكم. ضحكوا علي، قالوا الذكاء ليس شرطا للعمل، لو كانت ذكية لكانت دكتورة في بلدها، ولم  تحتج  للعمل لديك!.

اللهم سترك.

 

انتظرونا في الحلقة القادمة بإذن الله.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- متابع - السعودية

07 - ربيع أول - 1435 هـ| 09 - يناير - 2014




يبدو المقال غير مترابط، لم استطع استيعابه،
وربما المشكلة عندي
لكن هذه وجهة نظر أرجو قبولها
أرى أنه ليس في مستوى سلاسة المقالات المتميزة المعتادة للكاتبة

د بشرى عبدالله اللهو

07 - ربيع أول - 1435 هـ| 09 - يناير - 2014

شكرا لمرورك
ووجهة نظرك مقبولة
سآخذها في الاعتبار
واعتذر لعدم استيعابك.

-- إدارة التحرير - السعودية

07 - ربيع أول - 1435 هـ| 09 - يناير - 2014




السلام عليكم ورحمة الله.. أخي متابع، نحترم رأيك
فعلا هناك خلل في نشر المادة جاري تداركه من القسم الفني
ونعتذر للمبدعة دكتورة بشرى اللهو

متابع

09 - ربيع أول - 1435 هـ| 11 - يناير - 2014

شكراً لتقبل الملاحظة، وللتحرير على تعديل الخلل
فقد أعدت قراءة الموضوع فوجدته سلساً جرى على سنن مقالات الكاتبة الموفقة.

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...